Sunday, 23 September 2007

دثريني يا خديجة


ترمقني أختي التي ولدنا أنا وهي بنفس الشهر بفارق سنة وبضع أيام وتحدثني بخبث عن استعدادات خطيبها الرومانسي ليوم ميلادها, عن قصيدته التي لطالما حدثها عنها والتي على ما يبدو سيقرؤها لها في ذلك اليوم الخرائبي المحتوم , كنت أتخيله وهو عصابي المزاج وكثير التدخين يحمل ورقته ويشير بيده كعادة شعراء الخطابة الذين تهمهم ذات المبجِــل أكثر من ذلك المبجل به
وتنهرني أختي حين أحاول تقليده وهو يفكر بالمفردة اللازمة التي سيختارها لاكتمال بيت الشعر آخذا القصيدة من يدها نحو رمز ما بعده رمزا
تتدخل عمتي التي تذكرها بالمرات الكثيرات التي تراجع فيها الأستاذ خطيبها عن كلامه معتبرا إياها شيئا لا علاقة له بالقلب الصافي والروح الطاهرة والخ من عبارات الوجد الروحاني التي لطالما وصفها بها في أوقات سرحان الغزالة
تقاطع سخريتي سائلة إياي عن يوم مولدي فأخبرها أنه يوم اعتيادي كأي يوم آخر لا أنكر أنني ذهبت للبحر وللنبع القريب وأكلت الرمان المليسّي وهذا أمر افعله أيا كانت الظروف ميلادية كميلادي أو هجرية كهجري
لم يكن أي شيء خارق, لا قصيدة خارقة
كان يوما ... ثم اختفى يوما .. وهل في ذلك ما يدعو للتنويه
صمتت لأن أية كلمة إضافية ستجرها لسماع كلام كثير في "أفلاطون بديل للبروزاك"
وبينما نحن في معمعة من أمرنا نعدد أهوال أيلول المجيد يصبح توقف في عين صبرا فتعلو الطعرصات , وهي جمع مؤنث سالم لكلمة طعرصة وأما جمع الجمع فهو طعاريص, لم أقع على مصدر هذه المفردة في اللغة العربية ولا يخولني منصبي الفقير على الغوص في اشتقاقاتها اللغوية
لكن قد تكون "طعرصة" تعرسة في الاصل وقد فخمت فيها التاء لتلفظ طاءا والسين لتلفظ شبيهة بالصاد. أما تعرسه فيقيني أنها من جذر ع,ر,س .. وعرس بضم العين هو الاحتفال بزواج الشخص , وأما تعرّس بالشدة على الراء بعد اضافة التاء فهي كال"تفعل" كأن نقول كلم: تكلم .. أي قام بتكليم الشخص, أي انك تُحدِث الكلام, تحدث الشيء, ومنها تعرس أي تحدث العرس. والعرس يوم تكثر فيه الجلبة والضوضاء, كالزغاريد وأغاني الزفة والفرس التي يمتطيها العريس, وترديدات الحدّا , وهو مغني شعبي يُدعى خصيصا لمثل هذه المناسبات السارة, يقول كلاما نصفه تافه.. اذكر أحدهم وقد غنى ومن ثم ردد ورائه خيرة رجال القرية الأفاضل " تحت الزفتة في كركار".. كان اختراعا حسده عليه علماء الغرب المتحضر
وحين نقف عند الزفة والحناء والحمام وكل طقوس الأعراس وما فيها من صخب. ندرك أن العرس شيء يكثر فيه الزعيق والنهيق. وتعرس تصبح شبيهة ب "تحدث جلبة" وإذا ما قمنا بتفخيمها تصبح طعرص وستحافظ على نفس المعنى المرجو " تحدث جلبة .. وتعلو الطعرصات أي يعلو احداث الجلبة
ومن هنا نفهم أن كلمة طعرصة بالتاء المربوطة هي فعل احداث الجلبة وحين نقول أنت تطعرص أي انت تحدث جلبة وفي الغالب أحداث مفادها أن العروس وعروسه يقيمان الدنيا ولا يقعدانها , في نهاية المطاف من أجل هدف واحد جلل وفيه الكثير من الجلبة أيضا لما يتخلله من دخول ثم انتظار ثم خروج ثم تعلو الزغاريد,وهي إشارة الى ان الحدث قد حدث وتم . ويختصر كل هذا بعبارة "ليلة الدخلة" لان فيها دخول ما .. وبهذا فان طعرصة هي احداث جلبة من أجل دخول ما تليه جلبة اخرى مقصودة
اما الجلبة الاولى فهي ميثاق جماهيري أن فلان مخوّل أن يدخل على فلانة
والجلبة الثانية هي أن فلان قد دخل على فلانة
واختصارا نقول " لقد طعرص فلان وفلانة" أي أقاما العرس بحضور الجماهير والزغاريد والحدّا والزفة والحصان ودخلا سوية وخرجت قطعة القماش البيضاء الملطخة بالدماء وهي عادة جاهلية منقرضة في ربوع بلادي
إن مقولة جريمة وعليها شهود تعني تحديدا أنك مفضوح يا من ارتكبت الجريمة بوجود الشهود لأنهم كشفوا أمرك , وكذا يصح أن نقول مفضوح أنت ايها المطعرص
لذلك حملت كلمة الطعرصه معنىً فضائحيا. فضائحي هنا لا يعنى فيها الرمز للسلبي كما هو متبع عند استعمال هذا اللفظ, بل هو مصطلح يراد به الانتشار, أي لغرض النشر والتشهير,ومن شروط الزواج عند طائفة المسلمين ومن حذا حذوهم من مللهم "الاشهار" والاشهار بالمعنى الغير حرفي "جريمة وعليها شهود" وبذلك توفي غرض المعنى من "الطعرصة" كفعل فضائحي, تشهيري ينشر ذات المطعرص , المطعرص له والمطعرص به أجمعين

ولقد اخذتني الحماسة في الاستدلال على المصدر وشغلت عن الموضوع البكر وهو فيما ذكر, أهوال أيلول المجيد وتوفقا فيها عند صبرا التي لا تنساها النفوس وتخلدها أجيال تلو أجيالا
وفي حمية من امر الحضور الذين تركتهم احتسابا لوجه اعصابي التالفة مرددة بامتعاض الذي يفهم فوق طاقته , مقولة سعد زغلول" غطيني يا صفية.. مافيش فايدة"
وعندما غطتني صفية قلت أنه




:




:
لن يحدث أكثر من الذي حدث ساعة صفر الذبح
لقد شجبوا وعبئوا الفراغ بالاحتجاج
ماذا بعد ؟ أكثر؟
صبرا كشاتيلا ككفر قاسم كالاكراد كالهنود الحمر كاليهود في اورويا النازية كالاندلس كالارمن كالانثى كالطفل كمثلي في مجتمع تقليدي كصحفي بين يدي اصوليين كسجين في ابو غريب كجندي امريكي يتسلى بعصارة ضحيته كقتل باسم شرف العائلة كغشاء بكارة يفض بلا زواج كخرقة بيضاء تنتظر دما أحمرا كقطعة لحم تستهوي شيخا بين فخذي صبية
صبرا بلا قومية أو جنسية
صبرا هي نحن
نحن بجدارة
صبرا هي الظلم المتعمد
صبرا هي أمن الآخرين على حساب دمك
صبرا هي الضحية
صبرا هي الحصار البريء والانقضاض السهل
صبرا هي التنصل من إثم
هي قتل التبعية ومدحها في آن
هي شعارات رنانة
هي قول كثير وفعل قليل
صبرا هي نحن بجدارة المتمرن على حرب
هي القوي والضعيف يتناحران على حق
هي ايدولوجيا بحت
هي موت من أجل بقاء كريه
هي حيوان فلت توه من قفص القبيلة
هي غسيل دماغ
هي محاربة العدم على روعته
هي طاقة البشر على الصراع توجسا من العدم
هي العبث المتجاهل
هي القصور في حياتنا الآدمية
هي عيب الحصر والتقييد
هي مبدأ الشك باليقين
صبرا ليست استثناءا
صبرا هي القاعدة
هي الخوف
صبرا هي الخوف
هي الطعرصة بشهود عيان عميان

مش قلت غطيني يا صفية .. ما فيش فايدة

6 comments:

sami7dad said...

انت استثناء ومدونتك شواذ
بس ليه شايفه حالك على المجاهيل /فتحت بلوغ خصوصي علشان اعلق/بحب هبلك

ابراهيم said...

بدناش نخلص من هالتعريصه؟

Isam Abu Salhieh said...

قدرات استنباطية خراقة للعادة :)

جميلة

نـشاز said...

سامي
من مجهول لمعرّف وباسم شخصي وعائلة
يا بقحتك يا أخي
إنت عارف !! حتى علا وصديقها استثناء

ابراهيم
مش عارفه ليه حسيتك زعلان مني وما عدت تزورني
غريب .. كل واحد ما بيعجبوا حالي بيروح بيعاقبني وبيختفي
عموما يا ابراهيم بالنسبة للطعريصه بالطاء مش بالتاء

عصام
أيها المعرف جدا
شو هي الــ"جميلة" ! أنا او التدوينة؟

Isam Abu Salhieh said...

ما كنت عارف إنك بنت ...

متأكد إنو صاحبة التدوينة أجمل من التدوينة

الحلونجي اسماعيل said...

بذائة معتادة .. بس لو خليتي اليهود على جنب كان أحسن .. وشو دخل خديجة ؟